محمد طاهر الكردي
557
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
الجهد ؟ ! لقد جفت حلوقنا يا غلام ، فأسرع إلى هذه الأقداح فاملأها ، وأسرع إلى مولاك بشيء من شراب ، فما نرى إلا أن نفسه قد ظمئت ، وما نرى إلا أن ظمأ نفسه قد اضطرها إلى هذا الحديث " . قال الرومي : " أما إنك قد قلت الحق وأنت لا تدري ! فإن نفسي لظمئة ، وإن ظمأها لأشد مما تظن " . قال صفوان : " تظمأ وعندك أكرم ما جادت به بيسان من نبيذ ! " . قال الرومي : " ما صدفت نفسي قط عن الخمر كما تصدف عنها الآن . إني لشديد الظمأ ولكن إلى شيء آخر ما أرى أنكم تفقهونه أو تفطنون له " . قال صفوان وهو مغرق في الضحك : " إنك لظمئ إلى ما كانت تظمأ إليه نفس زيد بن عمرو ، فقد طلبته جاهدة فلم تظفر به ، ولم ترو ظمأها باليقين ، وإنما روته بهذا الدم الزكي الذي لم تثأر له بعد ، والذي لابد من الثأر له . وإنك لظمئ إلى ما كانت تظمأ له نفس ورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث ، فإن ورقة بن نوفل ليقيم منك غير بعيد فتحول إليه واستمع له ، فقد يروي نفسك بما وعى من علم النصارى ، وما حفظ من سخف الروم . ولكن لا تنس أن تخلي بيننا وبين ما بقي لك من خمر ، وأن تحكمنا فيما ستقدم عليك به العير بعد أيام " . ثم تضاحك القوم ورفعوا الأقداح إلى أفواههم ، ثم ردوها ولم يذروا فيها شيئا . قال الرومي : " فأما وأنتم تفقهون أمر هؤلاء النفر من قريش ، فما أشك في أنكم ستفهمون عني إن حدثتكم بما يضطرب في نفسي من الأمر . ولقد أسأت بكم الظن فمعذرة إليكم . لقد رأيتكم لا تحفلون إلا بما يحفل به أترابكم من اللهو ، ولا تقبلون إلا على ما يقبل عليه لداتكم من اللذة والنعيم " . قال صفوان : " فإن لنا على ذلك عقولا تستطيع أن ترقى إلى حكمتك العليا . ولكن ما رأيك في أنها زاهدة في هذه الحكمة ، راغبة عنها ! ! فإنا لم نأتك لتتحدث إلينا عن الآلهة ، وما ينبغي لغير قريش أن تتحدث عن آلهة قريش . ولقد أطلت فينا المقام ، فكنت خليقا أن تعرف من أمرنا أكثر مما عرفت . وما نظنك إلا أدركت شيئا مما لقي زيد بن عمرو ، وقد كان أوسطنا نسبا ، وأرفعنا حسبا . فخذ في حديث آخر غير حديث الآلهة ، فما كنا لنكره ذلك من شيخ قرشي ثم نرضاه من رومي غريب أقبل علينا ليسقينا الخمر ويسمعنا الغناء " .